احـاول جاهدةً ان اتـثاءب وحدى ونافذتى مشرعة على الآخرين

نــــــــــورا

الثلاثاء,تشرين الأول 30, 2007


ـ لعلَّ منَ الجميلِ أَنْ نحتفيَ بمدعينا الكبارِ ، وَأَنْ نَفِيَهُمَ حقَّهُم منَ التبجيلِ والإكبارِ ، فلقد قاسوا الكثيرَ منَ المتاعبِ والمصاعبِ حتى شقَّوا لنا درباً سالكاً للإبداعِ ، فلمعوا في سماءِ الأدبِ شموساً وأقماراً ، وشيخُ الأدباءِ الجليلُ علي مصطفى المصراتي ، هو إحدى القاماتِ الأدبيَّةِ السامقةِ ، قامةٍ شامخَةٍ من شوامخِ الإبداعِ الليبيِّ الواثقِ بخطواتِ روَّادِهِ ومبدعيهِ ..

وما أعظمَ الحاجةَ إلى أدبٍ رفيعٍ ، أدبٍ يُلامسَ همومَ الناسِ ويعالجُ قضاياهم ، وأدبِ الأستاذِ المصراتي أدبٌ ملتزمٌ بقضايا مجتمعِهِ ، فهو يسعى إلى تلمُّسِ مواضعِ الوجعِ فيه بمبضعِ الجرَّاحِ المتمكِّن بسخريَّةٍ محبَّبةٍ ، وكلماتٍ عذبَةٍ ، وجملٍ مُنتقَاةٍ بذكاءٍ ، فعطاءُ المصراتي الإبداعيُّ الغزيرُ لم يتوقَّفْ عندَ حدَّ ، بل ظلًَّ يغدقُ علينا من إبداعاتِهِ الراقيَةِ ، ويجودُ بطريقتِهِ الفنيَّةِ المتميِّزةِ الرائعَةِ بأسلوبِهِ المتقنِ لصناعَةِ الكلمَةِ التي تهزُّ أوتارَ القلوبِ فتهتزُّ لها الذاتُ الإنسانيَّةٌ استجابَةً وانبهاراً ، وهو يحرِّكُ أصابعَهُ بتلوينٍ رائعٍ بألوانِ قوسِ قزحٍ ، معتمداً على مفرداتٍ بسيطةٍ جميلَةٍ تدخلُكَ إلى فضاءاتٍ سحرِ الكلمَةِ ، فللمصراتي قدرةٌ  إبداعيَّةٌ هائلة لا يختلفُ عليها اثنان ، إذ يتمتَّعُ بقدرةٍ إبداعيةٍ عاليةٍ جداً لا تليقُ بسواهُ ؛ وتكمنُ هذه المقدرة في تميُّزهِ بلغةٍ إبداعيَّةٍ غنيَّةٍ ، تتحرُّك في حدودِهَا البلاغيَّةِ مرتكزةً على عبقريَّةِ صاحبِها الفذَّةِ ، وأسلوبِهِ السَّاخِرِ ، ومعرفتِهِ المتجدِّدةِ والمتطوِّرَةِ التي لا حدودَ لها .

"... والواضحُ أنَّ تكوينَهُ العلميَّ ، من خلالِ دراستِهِ الدينيَّةِ الأزهريَّةِ قد أسهمَتْ كثيراً في ثرائِهِ اللغويِّ ، وتكوينِ قاموسِهِ اللفظيِّ الزاخرِ والمتجدِّدِ .

كما أنَّ إِلْمَامَهُ بالأدبِ الشعبيِّ منحَهُ قدرةً على التعبيرِ بلغَةِ الناسِ دونَ تكلَّفٍ ، مكثراً من أمثالِهِم وتعابيرِهم الشعبيَّةِ في قصصِهِ القصيرةِ والطويلَةِ ، ومن خلالِ مؤلَّفَاتِهِ التراثيَّةِ الأخرى .. ".[1]  ورجلٌ بهذهِ المقدرةِ ، وتنوِّع ِالعطاءِ يحتاجُ منا إلى إعادةِ تدارسِ إبداعِهِ للوقوفِ على ما فيها من أدبٍ رفيعٍ ، ولنطرحَهُ أمامَ الناشئةِ واضحاً ؛ لعلَّ هذا الجيلَ يحتذي بعميدِ الأدبِ والثقافَةِ الليبيَّةِ الأستاذِ الكبير علي مصطفي المصراتي .

وتكريمُ المبدعينَ ـ بلا أدنى شكٍّ ـ  كما يتبادَرُ إلى أذهانِنَا يأتي من صميمِ الاعترافِ والإشادَةِ ، بدورِ الروَّادِ ، وإكبارِ جهودِهِم القيِّمَةِ في خدمَةِ المشهدِ الثقافيِّ المحلِّيِّ ؛ لكنَّهُ ـ في الحقيقةِ ـ فرصةٌ سانحةٌ لنا كمثقفينَ وأدباءَ للاحتفاءِ برجلٍ مسكونٍ بحبِّ الوطنِ ، فبذلَ جلَّ وقتِهِ لخدمَتِهِ ، فَعكفَ على إنتاجِ أدبٍ خصبٍ جميلٍ رائعِ الأسلوبِ ، وانكبَّ على إبداعِ أعمالٍ أدبيَّةٍ متنوِّعَةٍ تدعو إلى الإعجابِ والدهشةِ ، وقد وفِّقَ فيها توفيقاً باهراًً ، فبرزَ تفرُّدَهُ كعبقريَّةٍ أدبيَّةٍ ، فلغتُهُ الأدبيَّةُ المجرَّدَةُ منَ الغلوِّ والتفخيمِ والزركشَةِ كما في مجموعتِهِ القصصيَّةِ الرائعةِ ( خمسونَ قصة قصيرة )  .

الأستاذُ المبدعُ علي مصطفي المصراتي يعتبرُ من روَّادِ القصَّةِ القصيرةِ في ليبيا شكلاً ومضموناً ،  ففي المضمونِ عالجَ وطرحَ كثيراً من القضايا السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ المختلفةِ ، ولقد استطاعَ بجدارةٍ إلى أن يصلَ إلى أبعادِ أخرى فالتقطَ خيوطَ الواقعِ ونسجَهَا قصصاً تُلامسُ شِغَافَ الواقعِ ، وتمسُّ همومَ الوطنِ والمواطنِ ، هو بحقٍّ مبدعٌ يبوحُ بما اختزلَهُ من أحاسيسَ أدبيَّةٍ راقيةٍ تعطيهِ شرعيَّةَ الانتماءِ لكبارِ القصَّاصينَ المتميِّزينَ .

قال الشاعرُ والناقدُ اللبنانيُّ محمد علي شمس الدين عن عالمِ المصراتي القصصيِّ في مجموعتِهِ ( خمسون قصَّة قصيرة )  " إِنَّه لم يعطِ مجموعتَهُ القصصيَّةَ عنواناً موحَّداً ؛ بل جعلَ عنوانَهَا ( خمسون قصة قصيرة ) هو استنتاجٌ ظاهريٌّ ، كما قد يستنتجُ في المضمون وفي الدلالة ، كما أنه ليس لهذه القصصِ الخمسين عنوانٌ محوريٌّ  يلمُّ أجزاءَهَا حولَهُ ، ويسلكُ حبَّاتَهَا في خيطِهَ .. ويكونُ بمثابةِ العمودِ الفقريِّ للجسمِ يلتمُّ حولَهُ اللحمَ والدمَ والعصبَ ، بيدَ أن القارئ للقصصِ تتكوَّنَ لديه ـ تباعاً ـ من عالمِ القصصِ وأشخاصِها وعقدِها وموضوعاتِها ، قناعةٌ أخرى ، بإمكانيةِ إعطاءِ محورٍ واحدٍ للقصصِ المتنوِّعَةِ في أزمنةِ كتابتِها .. وأنَّ هذهَ القصصَ تشبهُ مراحلَ حياةِ الإنسانِ الذي يبقى محافظاً على ( هويَّتِهِ) و(ذاتِهِ) على الرغمِ من تعاقبِ مراحلِ حياتِهِ .. وكمرورِ الليلِ والنهارِ على جسدِهِ ونفسِهِ أيضاً .

ولعلَّ أولّ ما يلفتُ الانتباهَ ، في الأقاصيصِ ، على تنوِّعِهَا ومراحلِها ، هو أن اهتمامَها هو اهتمامٌ شعبيٌّ ، في جميعِ الأحوالِ ، ونعني بذلكَ أنَّ شخصياتِها شعبيَّةٌ ، ومستلَّةٌ منَ الشارعِ اليوميِّ العاديِّ للناسِ ، وهي بالتالي ليست شخصياتٍ (منتخبَةً ) ذاتَ بريقٍ فكريٍّ أو اجتماعيٍّ أو اقتصاديٍّ ؛ بل هي شخصيَّاتٌ مأخوذةٌ منِ الحيِّ والمدرسةِ أو المقهى أو من الريفِ .. ومن زوايا البيوتِ المحرمةِ بعاداتِها الاجتماعيَّةِ الشعبيَّةِ وأفكارَها وتقاليدِهَا " [2]

وهذه شهادةٌ تدلُّ على تميُّزِهِ وتفرُّدِهِ .

كما أنَّ أدبّهُ منارةٌ لكلِّ من يريدُ أن يعرفَ شيئاً عن ليبيا ، من تاريخٍ ونضالٍ ، وعاداتٍ وتقاليدَ  وأمثالٍ وتعابيرَ ، نوادرَ وهمومِ وقضايا الناس بها.

المصراتي يسعى دائماً إلى التجديدِ سعياً يعجزُ الآخرينَ عن مجاراته ومحاكاته وتقليده في أسلوبِهِ وتعابيرِهِ الشعبيَّةِ الخصبَة من خلال نصوصٍ ووثائقَ وشواهِدَ في الأسطورة الشعبيَّة ، أو من خلال والبحث عنِ الحقيقةِ كما هو الحال في كتابِهِ ( غومة فارس الصحراء ) في ذاكرةِ الكفاح الليبيِّ .

فقد حرص المصراتي على أن يستخلصَ صورةً صادقةً ، فوضعَ خطاً فاصلاً ودقيقاً بينَ الأسطورةِ والحقيقةِ على أساس بحث علميٍّ قوامُهُ الترجمَة الذاتيَّةِ للقصَّةِ والإشاراتِ العميقَةِ ، وأفكاره المحبوكة إلى أبعد الحدود التي تجدُ طريقَها إلى القلوبِ بخطواتٍ ثابتةٍ ، ليبعثَ فينا الإحساسَ الساحرَ ، هذا الشيخُ الناسك في محراب الأدب والأدباء .

وممَّا يزكي أدبَ المصراتي وإبداعه أن قدَّمَ له طه حسين عميدُ الأدبِ العربي ، فقد لمسَ فيه من خلال كتابِهِ ( قطراتٌ من يراع ) أنَّ المصراتي يميلُ إلى التحرِّر من جمودِ التقليدِ ، يميلُ إلى التجديد ، واكتشف حرصَهُ على الإيتاءِ بما ينفعُ من روحِ التراثِ العربيِّ القديمِ ، فضلاً عن إجادتهِ لاختيار اللفظ المشرق المؤثِّر ، وانتقاءِ الكلامِ الجميل المعبِّر والملاءمة بين الكلم المتميِّز ، والمعنى المستقصى ؛ إلى رصانةٍ في الأسلوبِ ، ومتانةٍ في النظمِ وصدقٍ في اللهجةِ ، وإرسالٍ للعاطفَةِ الإنسانيَّةِ على سجيَّتها يُشيعُ في الكلامِ حرارةً حلوةً ، وإخلاصاً مستحبّاً.  

 

 



[1] ـ جمعة الفاخري ـ السخرية في أدب المصراتي ، قصة الوفد أنموذجاً .

[2] ـ  محمد علي شمس الدين ، مجلة المجال العدد التاسع 2006 أفرنجي .

 



لا يوجد تعليق